حصاد “تحقّق” 2025: 333 مادة تحقق في مواجهة التضليل وتعزيز حضور المرصد إقليمياً وعالمياً

أصدر مرصد “تحقّق” الفلسطيني تقريره السنوي لعام 2025، موثقًا فيه أبرز أنشطة الفريق وجهوده في تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، في ظل بيئة إعلامية تتسم بزيادة التعقيد، واستمرار انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة عبر الفضاء الرقمي الفلسطيني، خاصة مع استمرار النزاعات في المنطقة العربية، بما في ذلك استئناف الحرب على قطاع غزة التي توقفت لاحقاً.
وعلى مدار عام كامل، أنتج المرصد 333 مادة تحقق، تناولت موضوعات متنوعة، وسلطت الضوء على أنماط مختلفة من المعلومات المضللة وغير الدقيقة التي انتشرت خلال الأزمات، وساهمت في تقديم محتوى إعلامي موثوق يدعم حق الجمهور في الوصول إلى معلومات دقيقة.
وقد بيّنت نتائج الرصد التي أجراها المرصد أن غالبية الادعاءات التي تم التحقق منها وتصحيحها تندرج ضمن تصنيفات معتمدة وفقًا لمنهجية “تحقّق” والمعايير الدولية، أبرزها: المعلومات المضللة، والمعلومات الخاطئة، والمحتوى المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد لوحظ خلال العام تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أو تعديل محتوى مضلل، ما شكّل تحدياً إضافياً على جهود التحقق وأسهم في تعقيد المشهد الإعلامي الرقمي.
يعكس الشكل المرفق تنوع أنماط التضليل في الفضاء الرقمي الفلسطيني، ويُبرز هيمنة واضحة للمحتوى الخاطئ بنسبة (45.90%)، وهو غالبًا ناتج عن استنتاجات غير دقيقة أو نقل غير مهني للوقائع، دون وجود نية تضليلية مباشرة.
يتعامل فريق المرصد مع هذا النوع من المحتوى نظراً لانتشاره السريع واكتسابه ثقة مجتمعية رغم افتقاره للدقة، ويرتبط ظهوره بعوامل بنيوية، أبرزها: ضعف الوصول إلى المعلومات، وسرعة تداول الأخبار في بيئة غير مستقرة تشهد نزاعات مستمرة.
في المقابل، شكّل المحتوى المضلل نسبة (39.75%) من المواد المرصودة، ويُعد نمطاً أكثر خطورة نظراً لطبيعته القصدية وسعيه لخدمة أهداف محددة لصنّاع التضليل. أما المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي فبلغت نسبته (14.34%)، وبالرغم من انخفاض نسبته مقارنة بالفئات الأخرى، إلا أنه يشير إلى تحوّل نوعي في أنماط التضليل، يتطلب أدوات تحقق متقدمة واستجابات تحليلية جديدة.
ويؤكد هذا التوزيع تنوع التحديات التي يتعامل معها مرصد “تحقّق”، ومرونته في مواكبة التطورات المتسارعة في مشهد المعلومات المضللة في فلسطين.
وواجه فريق العمل خلال العام تحديات عدة، نتيجة الاضطراب الإعلامي والرقمي، وصعوبة الوصول إلى مصادر دقيقة وموثوقة، خصوصاً مع تعقيدات الأوضاع الميدانية وتكرار انقطاع سبل التواصل. ورغم ذلك، واصل الفريق عمله بالاستناد إلى شبكة من المصادر المعتمدة، والتعاون مع صحفيين ميدانيين وخبراء ومحللين مختصين، مما ساعد في الحفاظ على مستوى عالٍ من المهنية والدقة في التقارير المنشورة.
كما واصل المرصد توظيف أدوات وتقنيات رقمية حديثة، والاستفادة من أساليب التحقق مفتوحة المصدر، في رصد وفحص المعلومات المتداولة على المنصات الرقمية ووسائل الإعلام المختلفة.
وفي السياق السياسي والإعلامي الأوسع، شهد عام 2025 استمرار الحرب على قطاع غزة، التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وترافقت مع تصعيد عسكري واسع وانعكاسات إنسانية وإعلامية كبيرة. وخلال العامين، واجه المشهد الإعلامي تدفقاً كثيفاً للمعلومات المتضاربة، في ظل قيود ميدانية وصعوبات في الوصول إلى مصادر مستقلة، ما أدى إلى انتشار واسع للشائعات والمحتوى المضلل.
وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أُعلن رسمياً عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منهياً عامين من الحرب، ومغلقاً مرحلة اتسمت بارتفاع حاد في حجم التضليل الإعلامي.
في هذا الإطار، كثّف مرصد “تحقّق” من عمله لتوثيق الادعاءات الإعلامية والتحقق منها، حيث أنجز الفريق 96 مادة تحقق تتعلق بالحرب على غزة، من بينها 9 تقارير معمقة سلّطت الضوء على واقع السكان، والأضرار الناتجة عن القصف، والانتهاكات الميدانية، مما يعكس دور المرصد في تمكين الجمهور من الوصول إلى معلومات دقيقة خلال مرحلة شديدة الحساسية.
تعزيز الحضور المهني وتوسيع نطاق التأثير المحلي والدولي
خلال عام 2025، واصل مرصد “تحقّق”، عبر إطاره القانوني والمؤسسي “دراية” للتربية الإعلامية والرقمية، تعزيز حضوره المهني والتوعوي من خلال سلسلة من الأنشطة والمشاركات المحلية والدولية، ضمن جهوده المستمرة لمكافحة التضليل وتعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية في فلسطين.
وشهد العام مشاركة المرصد في القمة العالمية الثانية عشرة لتدقيق المعلومات (GlobalFact12) التي عُقدت في مدينة ريو دي جانيرو، بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI)، حيث ساهم في النقاشات الدولية حول تحديات الاستدامة في مجال التحقق، وتبادل الخبرات مع شبكات تدقيق المعلومات حول العالم.
وعلى المستوى التدريبي، نظّم “تحقّق” و”دراية” مجموعة من البرامج المتخصصة، شملت تدريبات في السلامة النفسية والمهنية للصحفيين، بدعم من الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق (IFCN)، إلى جانب ورش في تدقيق المعلومات والأمن الرقمي استهدفت صحفيين وممثلي العلاقات العامة في المؤسسات الأمنية.
كما تم تنفيذ تدريبات موجهة إلى الشباب وطلبة الجامعات ركّزت على مهارات التحقق ومكافحة الشائعات وخطاب الكراهية.
وفي إطار تعزيز الشراكات المؤسسية لتوسيع أثر التربية الإعلامية والرقمية، وقّع وزارة التربية والتعليم العالي اتفاقية تعاون مؤسسة “دراية” للتربية الإعلامية والرقمية، والتي تهدف إلى دعم مرتكزات التربية الإعلامية والرقمية في القطاع التربوي، من خلال تنفيذ لقاءات وبرامج تثقيفية في عدد من مديريات التربية.
وتشمل الاتفاقية مجموعة من البنود، من أبرزها: رفع الوعي بالقضايا الإعلامية، وتعزيز مفاهيم المواطنة الرقمية، ومكافحة المعلومات المضللة، من خلال استهداف حاضنات الإعلام التربوي والمدرسي، وتدريب الكوادر الإعلامية على مهارات متخصصة تشمل القراءة النقدية لمضامين الإعلام، ومهارات الأمان الرقمي، والتعامل الواعي مع المحتوى الرقمي.
وفي إطار تعزيز الحوار المجتمعي، أُطلق مشروع “جسور الحوار” بدعم من مركز الحوار العالمي “كايسيد”، بهدف دعم التفاهم بين الشباب من خلفيات دينية متنوعة، وإنتاج محتوى توعوي يحد من خطاب الكراهية المبني على التضليل الإعلامي.
كما عمل المرصد على نشر ثقافة التربية الإعلامية لدى الفئات الناشئة، من خلال إطلاق أول نادٍ صيفي متخصص للأطفال واليافعين في شمال الضفة الغربية، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تنفيذ ورش توعوية مدرسية ضمن فعاليات الأسبوع العالمي للتربية الإعلامية والمعلوماتية، واستمرار المشاركة في الأنشطة الجامعية.
وفي سياق التطوير المؤسسي، حصلت “دراية” على دعم من المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية (EED) ضمن مشروع “يلا تحقّق”، الذي أسهم في تعزيز البنية التقنية والإنتاجية للمرصد، ومكّنه من إنتاج عشرات مواد التحقق خلال العام.
وفي خطوة تقنية نوعية، أطلق المرصد أداة “تشيك تك” الرقمية التجريبية، بالتعاون مع جامعة النجاح الوطنية، للتحقق من الأخبار باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يعكس توجه “تحقّق” نحو الابتكار وتبني أدوات داعمة للصحافة المبنية على الأدلة.
كما شارك فريق المرصد في المؤتمر الثامن عشر لشبكة “أريج” للصحافة الاستقصائية في العاصمة الأردنية عمّان، حيث تلقى تدريبات تخصصية واطلع على أحدث الأدوات في مجالات التحقق وكشف التضليل الرقمي. كذلك، شارك في الاجتماع الإقليمي لشبكة AFCN، الذي شهد إطلاق كتيّب ضمان جودة تقارير تدقيق المعلومات، ما أسهم في تعزيز المعايير المهنية في عمل المرصد.
وتعكس هذه الأنشطة المتراكمة التزام مرصد “تحقّق” بتطوير قدراته وتعزيز استدامته المؤسسية، وترسيخ مكانته كمرجعية فلسطينية في مجال تدقيق المعلومات والتربية الإعلامية، رغم التحديات المتعلقة بالتمويل والبيئة الميدانية. ويختتم المرصد عام 2025 بتحقيق مجموعة من الإنجازات التي تدعم جهوده في مواجهة التضليل ونشر المعلومات الدقيقة، مع الاستمرار في تطوير أدواته وبناء شراكات فعالة على المستويين المحلي والدولي.









































