مرصد “تحقق” يدعو إلى حماية خصوصية الأطفال في التغطية الإعلامية ومراعاة سلامتهم النفسية

تابع المرصد الفلسطيني لتدقيق المعلومات والتربية الإعلامية “تحقق” المقابلة التي نشرها الزملاء في موقع “دوز” الإخباري مع طفل تعرض لواقعة مصادرة عربته في مدينة نابلس، أمس الأحد 30 أغسطس/آب، من قبل قسم الحراسة والتفتيش التابع لبلدية نابلس.
وضمن متابعته للقضايا المتصلة بالتربية الإعلامية وأخلاقيات النشر، تواصل فريق مرصد “تحقق” مع روحي سويلم، والد الطفل، الذي بيّن أن نجله يبلغ من العمر 14 عاماً، معرباً عن تحفظه على إجراء المقابلة معه ونشرها من دون الرجوع إليه، ومبدياً قلقه من التداعيات المحتملة لتداول المقطع والتعليقات المرافقة له.
وأضاف أن ما كان الأكثر إيلاماً بالنسبة إليه هو ظهور نجله متأثراً ومنفعلاً أثناء حديثه عن الواقعة، موضحاً أن الطفل قد لا يمتلك القدرة الكافية على التعبير أمام الجمهور عن مشاعره أو عن الأسباب التي دفعته إلى البكاء، ولا سيما عندما ترتبط تلك الأسباب بظروف أسرية وشخصية خاصة.
ولفت سويلم إلى أن نشر المقطع تبعه تداول تعليقات تشكك في رواية الواقعة وتتهم نجله بعدم الصدق، مشدداً على أن المقابلة لم تعكس السياق الكامل لما جرى، وأن الصحفي ياسر حبيشة كان قد عاين الحادثة وكتب عنها بصورة مستقلة، لا استناداً إلى رواية والد الطفل فقط.
وبين أن نجله من الطلبة المجتهدين في دراسته، وأن مشاركته في العمل خلال هذه الفترة تأتي في إطار ظروف عائلية مؤقتة، مؤكداً في الوقت ذاته حرص الأسرة على مواصلة الطفل تعليمه وانتظامه في دراسته.
ودعا والد الطفل إلى حذف المقاطع والمواد المنشورة التي يظهر فيها نجله أو تتعلق به، مؤكداً عدم رغبته في استمرار تداولها.
وتفتح هذه المعالجة الإعلامية نقاشاً أوسع حول الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند إجراء المقابلات الصحفية مع الأطفال ونشر صورهم وأقوالهم، خصوصاً في القصص التي قد تجعل الطفل عرضة للتعليقات العامة أو الوسم أو الإحراج أو الضغط النفسي.
وفي هذا الصدد يشير مرصد “تحقق” إلى أن كون الطفل طرفاً مباشراً في حدث ذي أهمية عامة لا يلغي حقه في الخصوصية والحماية، كما أن موافقته على الحديث أمام الكاميرا لا ينبغي التعامل معها وحدها، باعتبارها كافية في جميع الحالات، حيث يتطلب التعامل المهني مع القاصرين تقدير سن الطفل ودرجة نضجه وقدرته على فهم طبيعة المقابلة ونطاق انتشارها والآثار المحتملة لبقاء صورته وأقواله متاحة ومتداولة عبر المنصات الرقمية.
كما يؤكد المرصد إلى أنه وفي الحالات التي يمكن أن يترتب على النشر فيها أثر نفسي أو اجتماعي على الطفل، تبرز أهمية الحصول على موافقة ولي الأمر أو المسؤول عنه، إلى جانب شرح طبيعة المقابلة للطفل بلغة تتناسب مع عمره وعدم ممارسة أي ضغط عليه للإجابة ومنحه الحق في الامتناع عن الحديث أو التوقف عن المقابلة، كما تقتضي المسؤولية المهنية ألا يقتصر التقييم على سؤال “هل نستطيع نشر هذه المقابلة؟”، وإنما أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية وهو إن كان من الضروري إظهار هوية الطفل وصورته لتحقيق المصلحة العامة من القصة.
ويشير مرصد “تحقق” إلى أنه قد يكون من الممكن في كثير من الحالات نقل الواقعة والتحقق منها ومساءلة الجهات المعنية دون الكشف الكامل عن هوية الطفل، أو من خلال تقليل التفاصيل التي تسمح بالتعرف إليه، إذا كان كشفها لا يضيف قيمة صحفية جوهرية إلى المادة المنشورة، ويبين المرصد أن هذه المسؤولية تزداد في البيئة الرقمية، إذ لا تنتهي آثار المقابلة بانتهاء لحظة النشر، فالمحتوى قد يعاد تداوله واقتباسه وحفظه، وقد يصبح الطفل موضوعاً للتعليقات أو السخرية أو التشكيك في روايته، بما يفرض على المؤسسة الإعلامية التفكير مسبقاً في الأثر المحتمل للنشر وليس في قيمته الإخبارية الآنية فقط.
ويدعو مرصد “تحقق” الصحفيين والمؤسسات الإعلامية عند التعامل مع الأطفال، إلى مراعاة مجموعة من المبادئ الأساسية، وهي تقديم المصلحة الفُضلى للطفل على الاعتبارات التنافسية والإخبارية والحصول على الموافقات المناسبة واحترام خصوصيته وكرامته وتجنب الأسئلة التي قد تسبب له الحرج أو الضغط النفسي وعدم دفعه إلى استعادة تجربة مؤلمة دون ضرورة صحفية واضحة وتقليل كشف هويته عندما لا تكون هناك مصلحة عامة تبرر ذلك.
كما يدعو المرصد المؤسسات الإعلامية إلى التعامل بجدية مع طلبات أولياء الأمور المتعلقة بمراجعة المحتوى المنشور عن أطفالهم، وتقييم ذلك مهنياً في ضوء مصلحة الطفل واحتمالات الضرر الناتج عن استمرار تداول المادة.
ويؤكد “تحقق” أن حماية الأطفال لا تتعارض مع حق الصحافة في نقل الوقائع أو مساءلة المؤسسات العامة وإنما تشكل جزءاً أصيلاً من الممارسة الصحفية المسؤولة، حيث أن المعيار الأساسي عند إشراك طفل في قصة صحفية ينبغي أن يظل يتمحور حول المصلحة الفُضلى للطفل وتقليل الضرر إلى أدنى حد ممكن وتحقيق المصلحة العامة بأقل قدر ضروري من الكشف عن حياته وهويته.
